الغزالي
177
فضائح الباطنية
وطهارته في أن يطهر عن حب الدنيا لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » ، وهذا هو الداء الّذي أعجز الخلق . ومن ظنّ أنه يقدر على الجمع بين التنعم في الدنيا والحرص على ترتيب أسبابها ، وبين سعادة الآخرة فهو مغرور ؛ كمن يطمع في الجمع بين الماء والنار ، لقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : الدنيا والآخرة ضرّتان : مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى . نعم ! لو كان الإنسان يشتغل بالدنيا لأجل الدين ، لا لأجل شهوته ، كمن يصرف عمره إلى تدبير مصالح الخلق شفقة عليهم ، أو يصرف بعض أوقاته إلى كسب القوت ، ونيّته في كسب القوت إلى أن يتقوى بتناوله على الطاعة والتقوى فهذا من عين الدين ، وعلى هذا المنهاج جرى حرص الأنبياء والخلفاء الراشدين في أمور الدنيا . ومهما ثبت أن الزاد هو التقوى ، وأن التقوى شرطها خلو القلب عن حبّ الدنيا ، فليكن الجهد في تخليته عن حبّها ، وطريقه أن يعرف الإنسان عيب الدنيا وآفتها ، ويعرف شرف السعادة في الدار الآخرة وزينتها ، ويعلم أن في مراعاة الدنيا الحقيرة فوت الآخرة الخطيرة ، وأقلّ آفات الدنيا ، وهي مستيقنة لكل عاقل وجاهل ، أنها منقضية على القرب ، وسعادة الآخرة لا آخر لها ، هذا إذا سلمت الدنيا صافية عن الشوائب والأقذاء « 2 » خالية من المؤذيات والمكدّرات ، وهيهات هيهات ! فلم يسلم أحد في الدنيا من طول الأذى ومقاساة الشدائد ، ومهما عرف تصرم الدنيا وتأبّد السعادة في العقبى فليتأمل أنه لو شغف إنسان بشخص واستهتر « 3 » به وصار لا يطيق فراقه ، وخيّر بين أن يعجل لقاءه ليلة واحدة وبين أن يصبر عنه تلك الليلة مجاهدا نفسه ثم يخلى بينه وبينه ألف ليلة - فكيف لا يسهل عليه الصبر ليلة واحدة لتوقع التلذذ بمشاهدته ألف ليلة ! ولو استعجل تلك الليلة وعرض نفسه لعناء المفارقة
--> ( 1 ) رواه أحمد . ( 2 ) الأقذاء : الأوساخ ، مفرده : قذى . ( 3 ) استهتر به : تولع وتعلق .